ابن الفارض

17

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

لاهتداء النفس بشهود الآثار إلى المؤثر ، وأشار إليه قوله : فمرجعها للحسن في عالم الشها * دة المجتدى ما النّفس مني أحسّت ومطلعها في عالم الغيب ما وجد * ت من نعم مني ، عليّ استجدّت وهذا الرجوع هو الرجوع المشار إليه في قوله تعالى : يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ [ السّجدة : الآية 5 ] ، فتعرج الأسماء أولا من أرض عالم الشهادة إلى سماء عالم الغيب ، ثم يعرج من عالم الغيب مسيرته بالأرواح المتثبّتة بأهدابها إلى عالم الملكوت الأعلى الذي موضعها فيه تجلّيات الصفات ، ومن هذه الأسرار تتخلف عن الروح جميع القوى ؛ عبّر عن هذا المعنى بقوله : ( وموضعها في عالم الملكوت ما خصّصت من الأسرار دون أسرت ، ثم تعرج من عالم الملكوت مسرية بحقيقة الروح إلى مواقعها ومستقرّها الذي هو عالم الجبروت ، والتخلّف عن الروح في هذا المعراج بصيرته التي هي دليله ، كتخلّف جبريل - عليه السلام - عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ليلة المعراج ، وتخلّف البصيرة عنه لتحيّرها في إشراق نور الذات حيث تطلع شمسها من مشارق الأسماء ) ؛ كما قال : وموقعها في عالم الجبروت من * مشارق فتح للبصائر مبهت ولا يصل إلى عالم الجبروت إلّا أفرادا واحد بعد واحد من الأنبياء - عليهم السلام - وخواصّ الأولياء ببركة متابعتهم ، وممّا يرهب في هذا العالم للراسلين إليه التصرّف في الملكوت الأدنى بنزع الخواص من [ أصلها ] وإثباتها خواصّ أخر ، وهو أصل خوارق العادات والمعجزات ، وأرباب هذا التصرّف على درجات ، فمنهم من وهب له التصرّف في ملكوت العناصر فقط ، كتصرّف إبراهيم - عليه السلام - في ملكوت النار بالتبريد ؛ وتصرّف موسى - عليه السلام - في ملكوت الماء والأرض بالشقّ والتفجير ، وتصرف سليمان - عليه السلام - في ملكوت الهواء بالتسخير ، ومنهم من وهب له التصرّف في ملكوت السماء أيضا ، كتصرف النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في ملكوت القمر بالشق ، ومنها أن تطوى لهم بسط الأزمنة والأمكنة ، فيظهر منهم في لمحة تصرفات وآثار لم تحصل لغيرهم إلّا في مدة طويلة من أصحاب الجمع من يثبت لنفسه ما يثبت لغيره من هذه الأحوال وأمثالها بطريق الجمع ؛ كما قال : وفي ساعة ، أو دون ذلك ، من تلا * بمجموعه جمعه تلا ألف ختمة وما سار فوق الماء ، أو طار في الهوا * أو اقتحم النيران ، إلا بهمتي